الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

34

تفسير روح البيان

الساعة أو وقت نزول العذاب أو نحوهما وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ من الملائكة حتى تكلفونى من الأفاعيل الخارقة للعادات ما لا يطيق به البشر من الرقى إلى السماء ونحوه أو تعدوا عدم اتصافى بصفاتهم قادحا في امرى كما ينبئ عنه قولهم ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ والمعنى انى لا ادعى شيأ من هذه الأشياء الثلاثة حتى تقترحوا علىّ ما هو من آثارها وأحكامها وتجعلوا عدم إجابتي إلى ذلك دليلا على عدم صحة ما أدعية من الرسالة التي لا تعلق لها بشئ مما ذكر قطعا بل انما هي عبارة عن تلقى الوحي من جهته عز وجل والعمل بمقتضاه فحسب حسبما ينبئ عنه قوله تعالى إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ اى ما افعل الا اتباع ما يوحى الىّ من غير أن يكون لي مدخل ما في الوحي أو في الموحى بطريق الاستدعاء أو بوجه آخر من الوجوه أصلا والوحي ثلاثة . ما ثبت بلسان الملك والقرآن من هذا القبيل . وما تبت بإشارة الملك من غير أن يبينه بالكلام واليه الإشارة بقوله عليه السلام ( ان روح القدس نفث في روعى ان نفسا لن تموت حتى تستكمل رزقها ) . والثالث ما تبدى لقلبه اى ظهر لقلبه بلا شبهة إلهاما من اللّه تعالى بان أراه اللّه بنور من عنده كما قال لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ وأبى الأشعرية وأكثر المتكلمين ان يحكم عليه السلام بالاجتهاد كما تدل عليه الآية إذ ثبت بها انه لا يتبع الا الوحي والجواب انه جعل اجتهاده عليه السلام وحيا باعتبار المآل فان تقريره عليه السلام على اجتهاده يدل على أنه هو الحق كما إذا ثبت بالوحي ابتداء قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ مثل للضال والمهتدى فإنه عليه السلام لما وصف نفسه بكونه متبعا للوحي الإلهي لزم منه ان يصف نفسه بالاهتداء ويصف من عانده واستبعد دعواه بالضلال فالعمل بغير الوحي يجرى مجرى عمل الأعمى والعمل بمقتضى الوحي يجرى مجرى عمل البصير أَ فَلا تَتَفَكَّرُونَ اى ألا تسمعون هذا الكلام الحق فلا تتفكرون فيه فتهتدوا باتباع الوحي والعمل بمقتضاه فمناط التوبيخ عدم الامرين معا اى الاستماع والتفكر وَأَنْذِرْ بِهِ اى خوف من العذاب بما يوحى الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ اى يبعثوا ويجمعوا إلى ربهم اى إلى موضع لا يملك أحد فيه نفعهم ولا ضرهم الا اللّه تعالى . وقيل يخافون يعلمون لان خوفهم انما كان من علمهم لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ قريب ينفعهم وَلا شَفِيعٌ يشفع لهم وجملة النفي اى ليس في موضع الحال من ضمير يحشرون فان المخوف هو الحشر على هذه الحال . وقوله من دونه حال من اسم ليس اى متجاوزا للّه تعالى والمراد بالموصول المؤمنون العاصون كما في أكثر التفاسير وانما نفى الشفاعة لغيره مع أن الأنبياء والأولياء يشفعون كما هو مذهب أهل السنة لأنهم لا يشفعون الا باذنه فكانت الشفاعة في الحقيقة من اللّه تعالى وقال المولى أبو السعود رحمه اللّه المراد بالموصول المجوزون من الكفار للحشر سواء كانوا جارمين بأصله كاهل الكتاب وبعض المشركين المعترفين بالبعث المترددين في شفاعة آبائهم الأنبياء كالأولين أو في شفاعة الأصنام كالآخرين أو مترددين فيهما معا كبعض الكفرة الذين يعلم من حالهم انهم إذا سمعوا بحديث البعث يخافون ان يكون حقا واما المنكرون للحشر رأسا والقائلون به القاطعون بشفاعة آبائهم أو بشفاعة الأصنام فهم خارجون ممن امر بانذارهم انتهى فالكلام على هذا ظاهر لان الظالمين ليس لهم من حميم ولا شفيع يطاع لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ تعليل للامر اى